2012-09-20

كيف نفهم العلاقة بين انهاء الانقسام وحصار غزة؟!


بقلم: علاء أسعد الصفطاوي

بالرغم من كل الاتفاقات التي تم توقيعها بين حكومتي رام الله وغزة وشاركت فيها غالبية فصائل العمل الفلسطينية لإنهاء الانقسام بين سلطتي رام والله وغزة..، إلا أنها بقيت حبرا أسودا على ورق الوطن الأبيض.. شخصيا لم أكن يوما متفائلا بانهاء الانقسام بين الجانبين.. وبرأيي أن الانقسام تعمق أكثر من أي وقت مضى ليأخذ أحيانا أشكالا عديدة منها الطابع الثأري للعلاقة بين الحكومتين.. خاصة بعد سيطرة حركة "حماس" على كل مقاليد السلطة في قطاع غزة والتي كانت أصلا قد استحوذت عليها شكليا بعيد انتخابات عام 2006 با ستثناء ما بقي للرئيس الفلسطيني من سلطات سبق أن حوّل غالبيتها لرئيس الوزراء..

على الأرض هناك انقسام جغرافي طبيعي يفصل بين القطاع والضفة حاولت اتفاقية أوسلو  وما تلاها من اتفاقات تلافيها باختراع ما اصطلح على تسميته بـ (الممر الآمن) الذي يضمن تنقل جزء هام من الفلسطينيين بين الضفة وغزة والذي تم تفعيله لبضعة شهور ثم ما لبث أن سقط تحت ضغط وحجج حاجات الأمن لدولة الكيان.. وتفصيلات أخرى.. ولكن أهم ما في الأمر أن الكلمة الأولى والأخيرة على منطقتي الضفة والقطاع بقيت بيد الاحتلال الذي له وحده الحق بالسماح لأي فرد أو مجموعة بالتنقل بين المنطقتين..

على المستوى السياسي والتنفيذي يقضي أحد بنود اتفاق أوسلو بأن منطقتي الضفة وغزة هما وحدة جغرافية وسياسية واحدة.. لكن سيطرة حركة "حماس" العسكرية على القطاع منتصف العام 2007 ومن ثم اقالة الرئيس عباس لحكومة اسماعيل هنية وتشكيله لحكومة منفردة برئاسة فياض في الضفة ساهم في كسر هذه القاعدة وتعزيز الانقسام بين الجانبين أكثر من أي وقت مضى..

لذلك يطرح السؤال هنا نفسه بالحاح شديد.. اذا كانت الكلمة الأولى والأخيرة بشأن هذه الوحدة السياسية والجغرافية بين غزة والضفة قد بقيت بيد الاحتلال.. فكيف يمكن اعادة اللحمة بين الطرفين دون موافقة الاحتلال على ذلك؟! واذا كان أحد طرفي الانقسام وهو حكومة غزة لا زال يعترض على كثير من الالتزامات الأمنية والاقتصادية التي وردت في اتفاق أوسلو ومنها التنسيق الأمنى بل ويرفض الاعتراف أصلا بـ (شرعية) وجود اسرائيل في المنطقة فكيف يمكن لاسرائيل أن ترضى عن هذا الطرف وبالتالي أن تسهّل اعادة اللحمة بين الطرفين..

في تقديري المتواضع.. هناك أمرا واحدا يمكن أن يقبل فيه الكيان انهاء الانقسام بين الجانبين.. ألا وهو تراجع "حماس" عن رفضها الاعتراف بالكيان وقبولها بتنفيذ الالتزامات الأمنية التي وردت في اتفاق أوسلو وعلى رأسها التنسيق الأمني.. وهو أمر لا أعتقد أن حركة "حماس" يمكن أن تقبل به في أسوأ أيامها سوادا.. أولا لتعارض هذا الأمر مع ثوابت جماعة الاخوان المسلمين.. وثانيا خشية تعرضها للانقسام من داخلها.. وتفصيلات أخرى..

لذلك لا أرى أفقا حقيقيا قريبا لانهاء الانقسام بين سلطة غزة وسلطة رام الله لأنه لايمكن أن يقترب طرف من الطرف الآخر فيما الطرف الآخر يستمر في التنسيق الأمني مع الاحتلال ويعتقل كل رموز المقاومة في الضفة.. لا نكذب على أنفسنا.. هذه هي الحقيقة وعلى الجانب الآخر تكمن مشكلة قيادة رام الله في أنها لا تستطيع ولا تملك قرارها المستقل لاعتبارات أساسها أن مصدر الدعم المالي لديها هو الاحتلال وما تحوله اسرائيل لهذه السلطة البائسة من أموال شهريا تجبيها من رسوم الضرائب على السلع الواردة الى مناطق السلطة عبر الموانىء والمعابر الصهيونية.. لذلك سبق أن قلت أنني يائس من مسألة انهاء الانقسام الى أبعد الحدود.. لأن سبب ذلك سلطة رام الله أساسا.. وليس الانتخابات.. فالانتخابات حتى لو أجريت فستفرز حتما أشخاصا سيتمسكون بخيار المقاومة ومجلس تشريعي أقرب الى رفض أوسلو ونصوصه المجحفة.. وهو ما لن توافق عليه دولة الكيان.. وستضغط ماليا على السلطة الجديدة التي بالحتم لن تصمد لأن 85 في المائة من ميزانيتها الجارية هي رواتب لحوالي مائه وخمسن ألف موظف عسكري ومدني.. وبالتالي سيستمر ارتهان سلطة رام الله للقرار الصهيوني وستبقى في بيت طاعته للأسف..!!

وبين ذلك وذاك.. تستمر حكومة الضفة في تسيير أعمالها وتطوير خطابها الداخلي والخارجي ومع الاحتلال في مسعى يائس عموما للتوفيق بين محاولة صياغة أفق حقيقي لمستقبل الدولة الفلسطينية الموعودة عن طريق طرحه في أروقة الأمم المتحدة وبين قدراتها التي بدأت تتآكل أكثر فأكثر على ادارة شؤون الضفة دون مساس بما تبقى من شعبيتها الضعيفة أصلا هناك  وهو ما بدأت تفشل فيه فعليا، وانتفاضة أهل الضفة مؤخرا خير شاهد على ذلك.. أما حكومة غزة فبعد أن نجحت في الصمود لخمسة أعوام خلت من الحصار الذي طورت خلاله العديد من الأساليب الابداعية الناجحة لكسر الحصار عن مواطني القطاع ومحاولاتها تحصين نفسها عسكريا للحيلولة دون التهامها من قبل جيش الاحتلال وعدوان 2008-2009 شاهد هو الآخر على هذه المحاولات،  فقد ظهر لها أفق جديد واعد تمثل بانتصار الثورة المصريه وتولي الاخوان المسلمين – أشقائها- مقاليد الحكم فيها.. وهو الأمر الذي أدخل سلطة رام الله في حالة ارتباك وتوتر وقلق شديدة ليس من مغبة ازدياد هوة الانقسام بينهما.. ولكن في الحقيقة من مغية سحب البساط من تحت أرجلها وانتقال الشرعية الثمثيلية العربية للفلسطينيين من قيادة سلطة رام الله وما تبقى من منظمة التحرير الى قيادة سلطة غزة ومن معها من فصائل المقاومة.. لذلك سعت سلطة رام الله الى استخدام كل ما لديها من وسائل وعلاقات عربية ودولية لمحاصرة أي محاولة سياسية من قبل قيادة قطاع غزة لفك العزلة عن نفسها واستمرت سلطة رام الله في ملاحقة وتتبع أي طرف عربي أو دولي  يقدم على استقبال اسماعيل هنية في بلده.. لكن ذلك لم ينجح بالدرجة الكافية التي يمكن فيها اقناع قيادة مصر الاخوانية الجديدة مثلا بالابقاء على حصار غزة وعدم استقبال ممثليها لديهم.. وإن كان نجح موقتا في (فرملة) الاندفاع المصري الجديد باتجاه فك حصار غزة بشكل كامل ..

وذلك رأينا صالح رأفت مسؤول حزب "فدا" والذي يمثل حزبه في الشعب الفلسطيني ربما نسبة لا تتجاوز الواحد  في المائة من شعب فلسطين.. يطالب مصر بعدم استقبال هنية بحجة أن ذلك يمس بوحدة التمثيل الفلسطيني..

كذلك كان قد صرح بركات الفرا السفير الفلسطيني (عفوا سفير عباس) بالقاهرة، إن (اسماعيل هنية لا يحمل أي صفة رسمية، وإن استقباله في مصر يجب أن يكون بصفته قياديا في حركة "حماس"..، مضيفا أن هناك رئيس وزراء واحد اسمه سلام فياض..!!

للأسف اضطر عباس أن يزج بشخصياته السياسية الضعيفة لزيادة الهوّه بينه وبين حكومة غزة.. ولمنع أي تخفيف عن حصار غزة.. فبالنسبة له إن أي تخفيف عن حصار غزة ينقص من عمر وهيبة سلطته الفاشلة والتي طالب شعب الضفة الباسل في مظاهراته الأخيرة باسقاط حكومة فياض التي عينها..

الرئيس عباس  وللأسف وبدلا من ايجاد خط لرجوع له.. بات اليوم  يحرق كل مراكبه مع غزة
بحيث أصبحت هجماته على سلطة غزة هما شاغلا رئيسيا له وكأنه في ذلك يتناغم تناغما فارقا مع بقايا فلول نظام مبارك المخلوع وهم يستمرون في تسويق وهم أن غزة أصبحت خطرا على مصر خاصة بعد عملية رفح الجبانة..، وأن الأنفاق أساس هذا الخطر مع ان الأنفاق كانت موجودة في عهد مبارك بشكل أكبر مما هو عليه الحال اليوم..

ومع ذلك فلا زلت أؤمن أن مصدر الخطر الأكبر والأوحد على مصر.. هم من يدخلون سيناء حتى اليوم بالبطاقة الشخصية.. وهم الصهاينة وعملائهم والذين أرجح انهم هم من قام بالعملية الجبانة ضد جنود مصر البواسل ثم قتلهم مشغّلهم الصهيوني ليخفي آثار جريمته..

الخطر منهم وممن تبقى من فلول النظام العاملين في جهازي المخابرات وأمن الدولة وعلى المعابر وخاصة معبر رفح والذين يرجح أن بعضهم ما زال يرتزق من رسوم الأنفاق والصفقات المشبوهة.. وهؤلاء ينبغي في رأيي تطهير أجهزة الدولة الأمنية منهم وهو الأمر الذي في تقديري سيحدث عاجلا أم آجلا ..

الخطر الأكبر على مصر هو من بقايا أجهزة دولة مبارك العميقة ممن ساهموا واشتركوا في بيع غاز مصر لعدوها بأقل من ثمن تكلفة انتاجه وأقل بستة أضعاف من السعر الدولي ولازالوا يعملون  في وزارات ومؤسسات هذه الدولة..

اعتقادي الراسخ أن غزة ستبقى مصدر فخر لمصر.. وللأمة لأن بها مقاومة فاز قادتها بأشرف انتخابات نزيهة في المنطقة - رغم أخطائهم الكبيرة أحيانا - ودحرأبناؤها الاحتلال بالرصاص والصواريخ التي صنعوها بأيديهم أو التي نبشوا الأنفاق بأظافرهم للحصول عليها.. وليس بطاولة المفاوضات المشبوهة التي أدت بنا الى سلطة التنسيق الأمني البائس في اوسلو- رام الله وهي نفس الطاولة التي أسهمت في استلام مصر لسيناء بعد كامب ديفيد منقوصة السيادة وتدمير مقومات صمودنا في كل دولة عقدت اتفاقيه سلام واستسلام مع الصهاينة.

لا أفق لانهاء الانقسام بين غزة والضفة الا اذا تنازل أحد الطرفين عن ثوابته. وهو ما لن يحدث في رأيي في المستقبل القريب على الأقل عند الطرف الذي يدير قطاع غزة.. أو اذا تم احتلال غزة بالكامل من قبل الصهاينة.. والحاقها بسلطة رام الله التي تعيش هي الأخرى تحت الاحتلال وهو أمر في تقديري  لن يتمكن الكيان من دفع ثمن آثاره بالمطلق سواء عسكريا بخسارة المئات من جنوده.. او ديمغرافيا بهجرة مئات آلاف المستوطنين الصهاينة في مدن عسقلان واسدود وبئر السبع وغيرها والتي ستتساقط عليها صواريخ المقاومة بشكل غير مسبوق..، ولا سياسيا بخسارة ما تبقى له من رصيد سياسي عند مصر والعرب..

أنصح الرئيس عباس أن يأتي الى غزة وينقل سلطته اليها اليوم.. وقبل فوات الأوان.

* الكاتب مقيم في غزة - a.elsaftawi@gmail.com