تعد تجربة المجتمع الفلسطيني في التنمية تجربة فريدة من نوعها لخصوصية الوضع الفلسطيني الخاضع للاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1967. فوجود الاحتلال وغياب الدولة ذات سيادة كاملة على الأرض والشعب والموارد، أدى إلى خصوصية في الفكر والعمل التنموي الفلسطيني.
قامت إسرائيل منذ احتلالها للأرض الفلسطينية بتهميش عملية التنمية فيها، ولم تقم بتوزيع عادل للموارد مقارنة بما خصصته للمناطق الإسرائيلية أو حتى للمستوطنات، علماً أن ما كانت تخصصه ما تسمى "الإدارة المدنية" التابعة للحاكم العسكري الإسرائيلي، للأرض الفلسطينية المحتلة هي من دخل الضرائب فيها. وبقيت الموارد المخصصة للأرض المحتلة جزءاً من موازنة الأمن الإسرائيلي، ولم تكن عملية الإنفاق مبنية على دراسات للاحتياج الحقيقي للسكان، والأولويات التنموية. كما عملت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وما زالت تعمل، على إلحاق السوق الفلسطيني بالسوق الإسرائيلي، ومحاولة منع إقامة صناعات فلسطينية قد تنافس الصناعات الإسرائيلية، وذلك لضمان تبعية هذا السوق لإسرائيل كورقة ضغط لتمرير سياساتها الإحتلالية الإستعمارية. وعليه يمكن الاستدلال أن المنظور الإسرائيلي لعملية الإنفاق على المشاريع في الأرض الفلسطينية المحتلة كان وما يزال ينظر له من بعد أمني وليس تنموي.
من ناحية أخرى لم يكن لدى الفلسطينيين أنفسهم وعي بمفهوم العملية التنموية وأثرها على تطور المجتمع، وانصب اهتمام الفرد الفلسطيني على توفير قوت يومه. ولعل من أبرز أسباب غياب ذلك الوعي في تلك الحقبة ضعف العمل السياسي المؤسسي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وتركَّز العمل الفلسطيني خارج الأرض المحتلة على الجهد العسكري كتوجه نحو تحرير الأرض والاستقلال، وبالتالي تمحور عمل الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة على دعم المقاومة في الخارج لتحقيق الهدف المنشود بالتحرير ونيل الحرية والاستقلال.
أحدثت عملية خروج الفلسطينيين من لبنان عام 1982 تغيراً إستراتيجياً على العمل المقاوم. وأصبح تركيز المقاومة لتحرير الأرض على الداخل الفلسطيني بدل من الخارج. ولعبت منظمة التحرير الفلسطينية دوراً مهماً في دعم المؤسسات الفلسطينية داخل الأرض الفلسطينية، والتي قامت وما زالت تقوم بدور هام في العملية التنموية. لقد قام المفهوم التنموي الفلسطيني في تلك الحقبة على أساس تغيير نمط حياة الفرد الفلسطيني من إنسان يعتمد على المساعدات الدولية إلى إنسان منتج مقاوم للاحتلال وسياساته. وفي اعتقادي أن أفضل علاقة تكاملية تشاركية بنيت بين منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني كانت في تلك الحقبة (1982-1993).
أدّت حرب الخليج الثانية عام 1991 إلى تراجع في العملية التنموية في فلسطين نتيجة انحسار الدعم العربي للشعب الفلسطيني. فقد أدّت المواقف السياسية الفلسطينية من الحرب إلى انحسار الدعم الخليجي القادم للفلسطينيين في الداخل عبر مؤسسات المجتمع المدني، وللخارج عبر منظمة التحرير الفلسطينية. فكان الخيار إما الانتحار أو تغيير المسار، واختارت القيادة الفلسطينية تغيير المسار، والشروع في مفاوضات مع الإسرائيليين تمخضت بتوقيع اتفاق أوسلو في العام 1993، نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1994 وتوليها بعض الصلاحيات في الأرض الفلسطينية المحتلة، والتي تم توزيعها حسب المناطق المصنفة أ، ب، ج.
قامت السلطة الوطنية الفلسطينية بالعديد من المحاولات لوضع خطط تنموية، وكان أولها البرنامج الإنمائي للاقتصاد الوطني الفلسطيني 1994 – 2000، وتلته خطة التنمية الفلسطينية 1998 – 2000، ثم خطة التنمية الفلسطينية 1999- 2003، ثم خطة التنمية متوسطة المدى 2005-2007 التي تم إعدادها في العام 2004 من أجل توجيه المساعدات الخارجية المقدمة من المانحين، ثم خطة الإصلاح والتنمية الفلسطينية 2008-2010، ثم خطة إعادة تأهيل وإعمار قطاع غزة عام 2009، وأخيراً وليس آخراً خطة التنمية الوطنية الفلسطينية 2011-2013.
لم تحقق جهود الإعمار والتنمية التي قادتها السلطة الوطنية الفلسطينية خلال سنوات المرحلة الانتقالية (1994 - 2000) النتائج التي تلبي طموح الشعب الفلسطيني في التقدم والازدهار. ويعود ذلك على عدّة أسباب داخلية وخارجة، أهمها غياب رؤية تنموية فلسطينية، أي غياب أجندة سياسات وطنية، تحدد التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية العامة، التي تبنى في ما بعد عليها السياسات والتدخلات حسب الأولويات والإمكانيات المتاحة، وغياب لمفهوم التخطيط الإستراتيجي الشامل المتوسط والبعيد المدى. كذلك أدّت الظروف الخارجية المتمثلة في الاحتلال الإسرائيلي، والتدخلات الخارجية، إلى تعطيل تنفيذ العديد من الخطط التنموية التي تم إعدادها كما حدث مع خطة التنمية الفلسطينية 1999- 2003، التي تعطّلت بعد اندلاع انتفاضة الأقصى، وتدمير إسرائيل للبنية التحتية للمؤسسات الفلسطينية، خاصة الأمنية منها، أو الضغوط الخارجية كما حدث بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، وما تلاه من انقطاع للمساعدات الخارجية للسلطة الوطنية الفلسطينية، وتعطّل خطة التنمية متوسطة المدى 2005-2007. وبالتالي فإن بعض خطط التنمية قد تحولت إلى خطط إنعاش أو ترميم أو إعادة تأهيل، وبدل من المضي قدماً كانت النتيجة العودة إلى نقطة البداية.
شكلت خطة الإصلاح والتنمية الفلسطينية 2008- 2010 أنموذجاً لعملية تخطيط تنموية شاملة، وبنيت على أجندة سياسات سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة، وتبنت الخطة الإنفاق متوسط المدى. وقد وضعت الخطة في ظروف استثنائية من حيث جمود العملية السلمية، وتزايد الانتهاكات الإسرائيلية، والانقسام الداخلي الفلسطيني، ناهيك عن المشاكل الداخلية مثل الفلتان الأمني وترهل العمل في الوظيفة العمومية،...الخ.
استطاعت السلطة الفلسطينية بتجنيد الأموال اللازمة لتنفيذ الخطة والمضي قدماً فيها، مع ذلك أدت العملية التنموية إلى إحداث تفاوتاً في التنمية بين القطاعات والمناطق، حيث أن مستويات التنمية في الضفة الغربية كانت أعلى منها في قطاع غزة، وأن هناك تفاوتاً أيضاً في مستويات التنمية داخل الضفة الغربية نفسها بين المناطق "أ"، و"ب"، و"ج" والقدس. وأفترض في هذا السياق أن هناك علاقة وثيقة بين قيمة وقدرة الصرف الفعلي للموارد على القطاعات المختلفة والتفاوت الحاصل في النمو بين القطاعات وبالتالي المناطق.
إن معظم النمو الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة كان نتيجة مباشرة للمساعدات الخارجية التي مولّت النفقات الحكومية، ما أدى إلى انحراف الاقتصاد وتوجهه نحو القطاع العام والسلع غير التجارية. وهذا ما يفسر حقيقة أن النجاح الذي تم تحقيقه في قطاعي الحكم ( الأمن، العدالة، التنمية الإدارية والمالية،...الخ) والخدمات العامة (الصحة، التعليم، الكهرباء، الماء،...إلخ) كان أعلى نسبياً، ونما بوتيرة أسرع، منه في القطاع الاقتصادي (الصناعة، الزراعة،...الخ). فغالبية مشاريع قطاع الحكم تقع ضمن المنطقة المصنفة "أ"، وبالتالي كانت عملية التنفيذ حسب الخطط الموضوعة أسهل، ولم تواجه حجم المعيقات الإسرائيلية التي واجهتها القطاعات الاجتماعية، والاقتصادية، وحتى البنية التحتية التي تمتد مشاريعها إلى مناطق "ب" و"ج"، والتي تخضع لسيطرة الإسرائيلية، وعليه كانت عملية الصرف الفعلي في قطاع الحكم أعلى من بقية القطاعات.
إن التنمية المستدامة والاحتلال مفهومان يتعارضان مع بعضهما البعض. فالاحتلال الإسرائيلي على مدار أكثر من 44 عاماً شكل وما يزال يشكل العائق الأبرز أمام الآفاق التنموية في فلسطين، وتحقيق مشروع وطني شامل للتنمية، وليس هذا وحسب بل ويشكل العائق الأكبر أمام مستقبل الشعب الفلسطيني بأسره، وحقه الأصيل في تقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة. إن مستقبل العملية التنموية في فلسطين مرهون في زوال الاحتلال الإسرائيلي، لكي نستطيع التحكم بمواردنا، والتي بدونها سنظل رهينة المساعدات الدولية، والعجز الدائم في الموازنة، وبطئ العملية التنموية، ما يضع مستقبل العملية التنموية ككل على المحك.