2011-05-04

دانيل بارنبوم في غزة..!!


بقلم: د. حيدر عيد

كنت عائدا من زيارة للمغرب بدعوة من جمعية التضامن مع الشعب الفلسطيني لالقاء محاضرات عامة في جامعات مغربية عن أهمية وترجمة التعاطف  الهائل مع أهل فلسطين وكيفية اتخاذ خطوات عملية لمقاطعة اسرائيل وسحب استثمارات منها وفرض عقوبات عليها. ومن أهم الأسئلة التي كانت تطرح بعد كل محاضرة وفي كل اجتماع مع النشطاء المغاربة كانت حول معايير المقاطعة التي أقرت من قبل اللجنة الوطنية للمقاطعة، وبالذات تلك التي أقرتها حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية لاسرائيل. وفي نفس اليوم الذي وصلت فيه الى غزة، مزهوا بالتضامن المغربي وببيان المقاطعة المغربي الذي وقع من قبل العديد من منظمات العمل المدني والنشطاء، كان المايسترو الاسرائيلي دانيل بارنبوم، مدعوا من قبل الأمم المتحدة وبعض المؤسسات الفلسطينية، لقيادة أوركسترا مكونة من 40 موسيقيا في فندق المتحف، ولأول مرة في تاريخ غزة..!!

وتذكرت مقالات بارنبوم الثلاث الشهيرة في جريده "الغارديان" اللندنية، وبالذات تلك التي نشرها خلال مجزرة غزة والتي اعتبر فيها ان الحرب على القطاع هي (دفاع عن النفس)..!

وكان بارنبوم قد أضطر لالغاء حضوره حفلا في قصر الثقافة في مدينة رام الله مدعيا (انشغاله)، ولكن الجميع كان يعلم أنه كان هناك تخوفا من احتجاجات مقررا لها ضد حضوره ذلك الحفل. وبالطبع فان نشطاء المقاطعة كانو قد أبدوا استياءا شديدامن حضوره ذلك الحفل لأن المؤسسة التي يترأسها بارنبوم لا تأخذ موقفا واضحا من سياسات أسرائيل من احتلال، استيطان وتفرقة عنصرية. بل على العكس من ذلك فان المؤسسة، وعلى صفحتها الالكترونية، تتحدث عن (تفاهم متبادل وتعايش من خلال الحوار والموسيقى) مما يعطي الانطباع الخاطئ بأن الاحتلال والتطهير العرقي والأبارتهيد هي سياسات طبيعية..! 

ومن هنا فان التعامل مع بارنبوم يجسد نوعا من التطبيع الفني والثقافي، حتى لو ارتبط اسمه بالراحل الكبير ادوارد سعيد الذي لا خلاف على تاريخه وارثة الانساني. ان حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية لاسرائيل تستلهم الكثير من توجهاتها من أفكار ادوارد سعيد كما تستلهم من تاريخ الشعوب الأخرى في النضال ضد الاضطهاد. وفي حالتنا الفلسطينية فان القهر الصهيوني مركب بمعنى أنه احتلال واستيطان وتفرقة عنصرية. ان المقاطعة هي شكل ريادي من أشكال النضال المدني ضد المضطهد الاسرائيلي، وبالتزام واضح بالقانون الدولي والاعلان العالمي لحقوق الانسان.

ومما لاشك فيه أيضا أن أحد أهم أفكار الراحل الكبير ادوارد سعيد تتعلق بالتفكير النقدي والمعادي للكولونيالية. ومن هذا المنطلق يأتي النقد المعارض لمشاركة الموسيقي بارنبوم حيث أن مشاركته في أي نشاط بدون اتخاذ مواقف واضحة من أشكال الاضطهاد الثلاث التي تمارسها اسرائيل هي شكل من أشكال التطبيع الفني-الثقافي. هذا وقد كانت حملة المقاطعة قد انتقدت، وبشكل واضح، في شهر يناير 2010 حكومة قطر لتوجيهها دعوة لبارنبوم للاحتفال بالدوحة كعاصمة للثقافة العربية من حيث أن تلك المشاركة تساهم، ولو بدون قصد، بتبييض وجه اسرائيل وجرائمها ضد القانون الدولي. وكانت الحملة قد سجلت امتعاضها من كون تصادف ذلك الاحتفال مع الذكرى الأولى لمجزرة غزة! 

أضف لذلك أن الاتحاد العام للكتاب، اتحاد الفنانين التعبيريين، وبيت الشعر، من ضمن مجموعة كبيرة من المؤسسات الثقافية في فلسطين، قد أبدت معارضتها لمشاركة بارنبوم في احتفالات مدينة رام الله عام 2009.

ان معارضة الحملة لمشاركة مؤسسة بارنبوم تقوم على أساس معايير المقاطعة والتي تم اقرارها من قبل الغالبية الساحقة من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني والقوى الوطنية والاسلامية، وعليه فان كل المؤسسات الفلسطينية مدعوة لاحترام والالتزام بتلك المعايير كما تم تحديدها من قبل اللجنة الوطنية للمقاطعة والتي تمثل الغالبية الساحقة من مؤسسات المجتمع المدني. ومن المعلوم أن حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية لاسرائيل تعبر عن رأيها بخصوص مقاطعة او عدم مقاطعة مشروع ثقافي أو فني معين  بعد تفكير وبحث معمق عقلاني عن ذلك المشروع وطبيعته المؤسساتية.

وبقراءة متأنية للمؤسسة التي يترأسها بارنبوم فاننانجد أنها تعرف نفسها على أنها (تسعى لتمكين الحوار والتعاون في قضايا ذات اهتمام مشترك). كما تعتبر ان (الطرفين متنافسين)، وانها كمؤسسة (ليست فقط مشروعا موسيقيا، بل ساحة للحوار والتفكير بالمشكلة الاسرائيلية-الفلسطينية!) كما أن السيد بارنبوم كان قد صرح بأن مؤسسته (تسعى للعب دورا هاما في تجاوز الاختلافات السياسية والثقافية.. وبالتالي فان الأوركسترا تمثل نموذجا للديمقراطية والمعيشة الحضارية). ان المؤسسة تعتبر أن الأوركسترا التابعة لها (قد أثبتت أن الموسيقى تستطيع تخطي حواجز كانت تعتبر في الماضي مستحيلة.. وأن الجسور  يمكن أن تبنى كي تشجع الناس لأن يستمعوا لبعضهم البعض).

وعليه فان هذه المؤسسة وبجرة قلم وفذلكة لفظية حولت الإضطهاد الاحتلالي، الكولونيالي، الأبارتهيدي الى مجرد (مشكلة) من الممكن تجاوزها من خلال (الحوار) بين (متنافسين)، وان (الاختلافات) يمكن التغلب عليها من خلال بناء (الجسور) و(التفاهم) و(الاستماع) لبعضهما البعض! وهكذا، ومن منظور مؤسسة السيد بارنبوم، فان هناك (طرفين متساويين) في خلق (المشكلة!) والأخطر من ذلك أن المؤسسة لا تقر، بشكل واضح، أن اسرائيل تمارس جريمة التطهير العرقي وسياسة الابارتهيد. أن هاتين الصفتين هما أساس الاضطهاد الصهيوني لفلسطين. وبناء على ذلك فان المؤسسة التي يتراسسها بارنبوم هي مؤسسة تطبيعية وبامتياز من حيث أنها تتجاهل حقيقة وجذور الأضطهاد في فلسطين، وتتجنب المشاركة في انهائه. بل على العكس، فانها تروج (للتعايش الحضاري!) وكأن القهر الاسرائيلي بأشكاله المختلفة والمركبة ينتمي للحضارة الانسانية!

ان سياسة (الحوار) والجمع بين اسرائيليين وفلسطينيين، والادعاء بأن هذا هو الطريق الوحيد لتحقيق (السلام). وأن المضطهد (سيقتنع) بانسانية المضطهد (بفتح الهاء) كانت قد فشلت فشلا ذريعا في النموذج الجنوب أفريقي في منتصف الثمانينات حيث كانت قيادة المقاومة المناهضة لنظام الأبارتهيد قد رفضت هذا النهج رفضا قاطعا. وفي الحالة الفلسطينية فان اي مشروع يهدف للجمع بين (الطرفين) هو مشروع سياسي وبامتياز، بغض النظر عن كونه موسيقيا أو ثقافيا. بل على العكس، فان هكذا مشاريع. وبوعي أو بدون وعي، ترسخ الانطباع الخاطئ عن (مساواة بين الطرفين في خلق المشكلة.) ومن ثم يتم شرعنة السياسة القمعية الصهيونية، وتقوم بخدمة الحملة التي أطلقتها وزارة الخارجية الاسرائيلية والتي تسعى (لاعادة تسويق اسرائيل)، وبالذات بعد مجزرة غزة وأسطول الحرية، والتي تهدف لتبييض وجه اسرائيل باعتبارها دولة حداثة تتميز بالديمقراطية الليبرالية ورعاية الفنون الراقية. ان تصوير (المشكلة الفلسطينية-الاسرائيلية) على انها نتاج (عدم فهم الطرف الآخر)، وأنه من الممكن  تجاوز ذلك من خلال فتح قنوات (الحوار الفني اللاسياسي) هو بحد ذاته طرح سياسي يبرر السياسات القمعية والعنصرية التي تمارسها اسرائيل. ان أكثر من 17 عاما من (الحوار) العبثي قد أدت الى نشر انطباع خاطئ بأن اسرائيل (الغربية) هي واحة للتعدد الثقافي، وأنها تحاول (الحوار البناء) مع السكان الأصليين، بغض النظر عن سياساتها القمعية المركبة: احتلال عسكري، استيطان، وسياسة الأبارتهيد.

وبناء عليه فان السيد دانيل بارنبوم، ومن خلال دعمه (للحوار) بين (الطرفين)، لا يبدو أنه يبدي اهتماما بالعدالة التي يجب  أن تصاحب هكذا حوار. ان العدالة هي الشرط الرئيسي لاي حوارحقيقي يهدف لتنفيذ قرارات الشرعبة الدولية، وعلى رأسها حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم. فهل السيد بارنبوم، الذي كانت له مواقف مخزية خلال مجزرة غزة وحصار ياسر عرفات في المقاطعة، على استعداد للاعتراف بذللك الحق؟ وبضرورة انهاء نظام الأبارتهيد في فلسطين 48؟

ومن هنا كانت خيبة الأمل الهائلة التي شعرت بها حين عودتي من رحلة للترويج للمقاطعة، وبالذات الأكاديمية والثقافية-الفنية في المغرب، لأجد بارنبوم في غزة..!

* أكاديمي فلسطيني من قطاع غزة، محلل سياسي مستفل وناشط في حملة المقاطعة. - haidareid@yahoo.com