2019-09-14

عن ألبوم "خوف الطغاة من الأغنيات"..!

بقلم: رفقة العميا

أعتقد أنه لولا أن كان هذا هو اسم الألبوم (غير الربحي*) لما لفت انتباهي بشكل شخصي إلى هذا الحد، لكن مهلاً.. ماذا عن الأغنيات؟ كلماتها ومؤدوها وسياقاتها الزمنية؟ وماذا أيضاً لو لم يكن احب هذا المشروع الفني محاضر أكاديمي في قسم اللغة الانجليزية في جامعة الأقصى في غزة، وعضو اللجنة الاستشارية في الحملة الفلسطينية للمقاطعة الثقافية والأكاديمية لإسرائيل، مستشار سياساتي للشبكة الفلسطينية للدراسات، ومؤلف كتابي:
Worlding Postmodernism: Interpretive Possibilities of Critical Theory
Countering The Palestinian Nakba: One State For All

طيّب، ماذا لو لم يكن حيدرعيد، كاسر الصورة النمطية عن الأكاديمي والناشط والباحث والمثقف العضوي الذي لا يكلّ ولا يملّ في مشوار البحث عن العدالة لفلسطين ولعالمٍ متعطشٍ للحرية من الطغاة، صديقي ثم شريكي/زوجي؟ وهو الذي يعمل على الدوام على تحطيم الصورة النّمطية التي يروّج لها الاحتلال والمتصهينون العرب عن أهل غزة من خلال الربط الدائم بينهم وبين الموت والفقر والجوع والإرهاب؟

يبدو أن مكونات هذه الخلطة كلها اتحدت معاً ليكون لمشروع "خوف الطغاة من الأغنيات" طابعه الخاص وبصمته المتفرّدة.

ورغم أن شهادتي مجروحة إلا أنني أعتقد أنني أنسب مَن يمكنه كتابة تعليق عن هذا العمل، وأصرّ على توثيق انطباعاتي الشخصية عنه كشاهدة حيّة عايشت كل مراحل مخاضه، على الأقل لطفلتينا اللتين سوف تشّكل هذه الأغنيات التي لطالما صفقّتا على ألحانها ودندنتا كلماتها جزءاً كبيراً من وعيهما الفني والسياسي والاجتماعي، الذي لا ينفصل أحدهما عن الآخر حسب رؤية أبويهما.

فالفن الذي ينظّر للنأي بالنفس عن قضايا النضال والانسلاخ عن الهمّ العام، وينظر إلى الحياة بنظرة طوباوية رغبوية ووردية هو فن منقوص، لا يعبّر عن روح العصر ولا يملك نظرة استشرافية تجاه المستقبل. وفي خضّم الجدل الدائر حول علاقة الفن بالسياسة، نحن ننتصر للانحياز للشعوب وآلامها وآمالها، خاصّة بعد أن تجرّعنا مرارة خذلان الكثير من الفنانين/ات والمثقفين/ات المعاصرين/ات لجماهيرهم/ن، إذ إننا نعتبر أن الفنانين/ات والمثقفين/ات تقع عليهم/ن أكثر من غيرهم/ن مسؤولية الالتزام بقضايا أبناء جلدتهم/ن، مهما كان ثمن الالتزام غالياً.

فَسيّد درويش ليس سيد درويش نفسه في وعينا الجمعي، مطرب الثورة الشعبية لو لم يغنّ (قوم يا مصري مصر دايماَ بتناديك،) والشيخ إمام ما كان سيترك البصمة ذاتها لدينا لو لم يغن أشعار أحمد فؤاد نجم المعادية للاستعمار والسلطات، ولما أصبح فيكتور جارا المطرب التشيلي الذي تم اغتياله من قبل الحكومة الفاشية، وجوني كليغ وميريام مكيبا من جنوب أفريقيا، أيقونات لجماهيرهم وملهمين لشعوبهم.

وفي ظل الحملات التي تسعى من خلالها دولة الأبارثهيد والاستعمار الاستيطاني إلى غسل وجهها العنصري والإرهابي بالفن والثقافة، فإننا أحوج من أي وقتٍ مضى إلى توثيق طموحنا كفلسطينيين في التخلص من نظام الفصل العنصري الإسرائيلي وإنهاء الاحتلال بكل مكونات الاضطهاد المرّكب التي تُرتكب في حقنا، بما يحمله هذا التوثيق من أهدافٍ سامية على مستوى تشكيل الوعي الفردي والجمعي للجيل الشاب العربي والفلسطيني بشكل عام والغزّي بشكل خاص الذي فتّح عينيه على الحصار والانقسام ولا زال يعاني تبعاتها وانعكاسها على صحته النفسية  وطاقة تحمله، وعاش ثلاث حروبٍ طاحنة ويتصدر الآن مسيرات العودة السلمية على الحدود الشرقية لقطاع غزة مقدماً روحه وأحلامه.

وفيما يتعلق بالألبوم نفسه فإن العنوان "خوف الطغاة من الأغنيات" مستلهمٌ من قصيدة الشاعر الراحل محمود درويش "على هذه الأرض"، إذ أن إسرائيل كأي قوة استعمارية محتلة لا تخشى شيئاً أكثر مما تخشى تراث وحضارة وفنون وتاريخ وذكريات الأمة التي تحتلّها، أي الثقافة الوطنية كما يجادل المفكر الراحل فرانتز فانون.

وقد استغرق العمل على هذا الألبوم عامين كاملين، وضع فيهما فريقنا الصغير والمتطوع لمساته الحالمة جاعلاً من قهر الحصار حافزاً للإبداع، حيث تم إعادة إحياء بعض أغاني "فن المقاومة" في العالم العربي وإعادة تسجيلها في استوديو يعمل به شبابٌ موهوبون من قطاع غزة، بالإضافة لأغنيتين أصليتين.

وقد رُتبت الأغاني في الألبوم على النحو التالي:
* أغاني المقاومة، وهي عبارة عن ميدلي لمجموعة أدّاها الفنان الراحل عبد الحليم حافظ لتوثّق مرحلة المقاومة العربية والمد التقدمي القومي في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم. وهي "بلدي وابنك يقولك وأحلف بسماها".
* أغنية وطني، وهي أغنية أصلية بكلماتها مستوحاة من موال "ربي" حيث تعبر عن الواقع الداخلي الفلسطيني وما وصل إليه بعد أحداث 2007 الدموية، ومدى تمسك الفلسطيني بتراب وطنه الروح.
* بي دي أس، هي أغنية كتب كلماتها الأصلية ولحنها وغناها في الانتفاضة الأولى المطرب الفلسطيني وليد عبد السلام، الذي قام الفريق بالتواصل معه للاستئذان بإعادة تسجيل الأغنية مع تغيير طفيف في الكلمات بما يتناسب مع الفكرة المهداة لحركة مقاطعة إسرائيل.

بي دي أس بي دي أس
اليوم وبكرة بي دي أس
حيفا والضفة بي دي أس
إلنا مطالب شرعية
بدنا عودة وحرية

* "فَوّضناك"، وهي أغنية أصلية في الألبوم، تشرّفتُ بكتابة كلماتها، وقام بتلحينها فريق من ستوديو مشارق في غزة، مكونة من ثلاث مقاطع مخصصة للشهداء والأسرى والجرحى الذين فوضناهم لقيادة مسيرة تحررنا، وحدهم من يضخّون الدم في شريان قضيتنا العادلة..

* عدى النهار، وهي أغنية قد أطلقت قبل 51 عاماً عندما قام الفنان الراحل عبد الحليم حافظ بأدائها بعد إعلان هزيمة 67، كلمات الشاعر المصري الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودي وتلحين الموسيقار بليغ حمدي للتعبير عن حالة الإحباط والحزن الشديدين المصحوبين بإرادة رفض الهزيمة والإصرار على المقاومة حيث شكل هذا العمل الفني نقطة فارقة في تاريخ الفن المقاوم. وقد تم تحويل هذا العمل إلى فيديو كليب يتناسب مع الأحداث الجارية في فلسطين المحتلة.
* أرضنا الجميلة، وهي ميدلي لأغنيتين من أغاني الفنان جورج قرمز الذي كان أيقونة الانتفاضة الفلسطينية الباسلة، وقد اكتُشف مؤخراً أنه إسم مستعار لفنان مجهول لا زلنا لا نعرفه ليومنا هذا، وقد اختفى وكأنه حباتٍ من المِلح. وهذه الأغنية مهداة إليه. 
* ميدلي الشيخ إمام إذا الشمس غرقت ومُرّ الكلام، حيث تم غناؤها بالمشاركة مع مروة عيد، إبنة شقيق حيدر ووارثة ذوقه الفني. وتعبّرعن الحزن الغزّي العميق والشعور بغياب أفق المستقبل لترد أغنية مرّ الكلام لتعبرعن أهمية دور المثقف في إعادة الأمل.
* اليمن، وهي أغنية لمارسيل خليفة مهداة إلى اليمن السعيد بعماله وأطفاله.
* السمسمية، وهي من أغاني المقاومة في السويس عام 1956 ضد العدوان الثلاثي على مصر الناصرية التي كانت تعبّر عن الآمال العربية في الاستقلال والكرامة في مرحلة ما بعد الاستعمار، وقد برزت هذه الأغنية للتعبير عن الروح الثورية في ذلك الوقت.
* من زرنوقة إلى غزة، هي عبارة عن ميدلي لأغنيتين من أداء وتلحين الراحل النوبي الكبير أحمد منيب، أم الراحات التي نهديها لزرنوقة، القرية الحلم التي تطّهرت عائلاتنا منها عرقياً عام 1948 ثم لجأت إلى غزة، البقعة الأصيلة من الوطن والتي نغني لها الجزء الثاني من الأغنية بعنوان إتكلمي لنحثّها على الثورة ضد الحصار والاحتلال والأبارثهيد ومحاولات شيطنتها.

عندما يلتقي الفن والسياسة والثقافة والتاريخ في خلطة موسيقية صادرة من غزة المحاصرة، غزة المكروهة: البطة العرجاء، العبدة السوداء، كاشفة العورات، فاضحة المتخاذلين/ات، قاهرة الغزاة، غزة رزان النجار وياسر مرتجى، لا يمكن إلا أن ترى الدم والدموع والعرق في كل أغنية. وقتها تفهمين لماذا يرتعب الطغاة من الأغنيات..!

 

*عائدات الألبوم مخصصة لدعم نشاطات بي دي اس في قطاع غزة.
* لشراء الألبوم  https://haidareid.bandcamp.com/releases

* الكاتبة تقيم في قطاع غزة. - rifkakamala@gmail.com