2019-05-10

الشقي.. وزير إعلام الحرب..!

بقلم: د. أحمد جميل عزم

ولد نبيل عمرو في دورا، قرب الخليل، العام 1947، لذلك ليس تعسفا اعتبار روايته الجديدة، وعنوانها “وزير إعلام الحرب”، الصادرة عن دار الشروق في عمّان، وتدور أحداثها في قرية خيالية اسمها “كفر عرب”، حدثت فعلا في دورا، أو قربها، عندما كان عمره عشرين عاما.

نبيل عمرو، اسم معروف في الإعلام، كان يمكن تسميته يوما وزير إعلام الحرب، فقد قاد إذاعات الثورة الفلسطينية في السبعينيات، وكان وزيرا وسفيرا وإعلاميا فلسطينيا مرات. أسهمت آراؤه والتباينات السياسية في إبعاده عن المواقع الرسمية، في الإعلام والسياسة، فكسبته الكِتابة، وها هو يخطو نحو توثيق مهم وجميل بنفَس أدبي.

روايته (إن جاز اعتبارها رواية)، تحكي بنَفس “انثروبولجي”، أي بروح من جلس مع الناس ووصف كيف يتصرفون ويُحبون ويكرهون ويعملون ويتنافسون. تحكي الرواية بالتشريح، أي بالتفاصيل الدقيقة؛ درجة وصف زجاج الدكاكين، وستائر المقاهي، وعباءات الرجال، ونقاب النساء الأبيض، وكل الوضع العام 1967. تتحدث الرواية عن ضابط جاء من الكرك أيام وحدة الضفتين ليكون مسؤولا عن المخفر، وتأتي الحرب، وليبلغ الناس قرارات لتسليحهم وترتيب أمورهم، فيأتي بعتّال مشهور في كفر عرب، بصوته العالي، واسمه الغريب، “عبدالشقي”، ليجول صارخا بالتعليمات. ثم يقدم عمرو السيرة الذاتية لأشخاص روايته الأساسيين، أو ما يسميه CV. يصف الشيخ جابر أبو الجود، عميد الحمولة الأكبر في كفر عرب، الذي وضع أعمدة رومانية أثرية في بناء بيته، والذي يقنع محاميا شابا متمردا من العائلة، منتميا لحزب البعث السوري، بالترشح لمجلس النواب رغم قرار الحزب منعه، وعندما تنجح خطته في إغواء المحامي، وتأمين فوزه، يعلن الشيخ: “حزب العيلة أكبر من حزب الشام”.

يقدّم عمرو، الحلاق اللاجئ من قرية الدوايمة، نعيم، الذي رغم وضعه المادي المريح وحب الناس له، وعائلته المرموقة قبل اللجوء، يرفضون خطبته من فتاة أعجبته لمجرد أنّه “حلاق ولاجئ”.

ثم صاحب المقهى، أبو علوان، الذي يسمع الإذاعة المصرية بالسر، لو فتحت صدره وقلبه “فقد لا تجد دما ولحما وشرايين وأوردة، بل تجد (الرئيس المصري) جمال عبدالناصر”، له ذكريات شخصية معه عندما كان يسهم مع أهالي المنطقة بكسر الحصار عن الجنود المصريين المحاصرين، في الفلوجة العام 1948، ويُصبح أبو علوان، صديقا للضابط المحاصر، ما يسمح أن يهمس عبدالناصر بأذنه، أن يحضر له ملابس داخلية في الزيارة المقبلة، فالحرب أتت عليها، فيأتي الأهالي بحمولة ملابس داخلية للمحاربين مع المؤن.

الرواية وصف كثيف لأيام حرب 1967؛ الفرح في البداية بأنباء أن الجيوش العربية تنتصر، ثم “النكسة” عندما اتضح كذب ذلك. فيها وصف مكثف للراديو، للنساء ومطالبتهن بالدور السياسي، وقصة حب على هامش الرواية. ثم يتراجع التكثيف في وصف ما بعد الحرب، وتصبح الرواية أشبه بالاستدراك والتوضيحات، ولكن يستمر التشويق الممتع، فمثلا يصف كيف بدلت الإذاعة المصرية أغاني الثورة والمعارك بأغانٍ مثل “قارئة الفنجان” و”رسالة من تحت الماء”، لعبدالحليم حافظ و”أنت عمري” لأم كلثوم، بدلا من “أهلا بالمعارك”، وكيف أن هذه سياسة مدروسة.

تنتهي الرواية، كما لو كانت فيلما، يكتب المخرج بعد نهايته جملا استدراكية توضح مصير الأبطال بعد سنوات: الحلاق نعيم تزوج على عجل انتقاما من رفضهم تزويجه بنت العائلة المرموقة، وانتقل إلى مخيم شنلر بالأردن وصار عنده سلسلة محلات حلاقة. ويصبح ضابط المخفر، قائدا للأمن العام، وبقي معه ذات السكرتير، من “كفر عرب”. أما أبو علوان فيذهب للعمل الفدائي وتكوين خلايا ومقاومة، ويتضح أن ابنه اسمه “باجس”، ما يسمح للقارئ باستذكار، الفدائي باجس أبو عطوان، الذي كان والده يملك مقهى في دورا، وكان الأب قائد مقاومة، هُدم بيته واعتقل. وقام باجس بعمليات فدائية، وطورد في جبل الخليل، حتى أوصل إليه الاحتلال صندوق ذخيرة مفخخا عن طريق أحد العملاء فاستشهد العام 1974، وواصل والده نشاطه في الثورة.

هل نقرأ روايات أخرى لنبيل عمرو، عن إذاعات الثورة الفلسطينية، عن مرحلة بيروت، عن السلطة الفلسطينية، وعن أمور كثيرة؟ مثل هذه الروايات لن تكون كهذه؛ تعكس صفحة اجتماعية سياسية انطوت، بل ستفجر الجدل، لأن أصحاب الرواية، بأبطالها، وتبايناتهم، ما يزالون في المشهد.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com