2019-01-18

"من غير ليه".. والتاريخ العربي الحديث

بقلم: د. أحمد جميل عزم

في أحد تدريبات أغنية “من غير ليه”، استطرد ملحنها، محمد عبد الوهاب (1902 – 1991)، يتحدث عن الملحن النمساوي، فرانز شوبرت (1797 – 1828)، وتحديدا عن مقطوعته الموسيقية (السيرنادة Serenade). وربما هناك روح مشتركة بين هذه المقطوعة و”من غير ليه”.

في الواقع أن “من غير ليه”، قصة قد تخفي بين ثناياها الكثير من المعاني والدلالات، التي تتعدى أغنية.

زرت قبل سنوات، منزل شوبرت في العاصمة النمساوية، بيته بعيد عن مركز المدينة المشهورة بالمقاهي التاريخية، والشوكلاتا، والمتاحف، ومسارح الأوبرا. وبعد تيه في شوارع عادية، حديثة، تصل البيت الصغير البسيط؛ المكون من طبقتين فيهما مجموعة غرف، تتوسطه ساحة محاطة بحديقة، تطل عليها جميع غرف المنزل. تحول ليكون متحفا متواضعا.

توفي الموسيقي الشهير، صغيرا، مريضا، عن عمر 31 عاما، وبحسب ما تجده في المتحف، كان لا يفعل شيئا سوى الموسيقا، وتدريسها. كان يؤمن أن الله خلقه “ليكتب الموسيقا”.

ربما لا توجد شخصية فنية عربية اندمجت في الموسيقا، والفن، كقضية حياة، مثل عبدالحليم حافظ (1929 – 1977)، وقد مات صغيرا؛ 48 عاما.

ترك شوبرت خلفه ما يعرف باسم السمفونية غير الكاملة، وهي عمل بديع يسمى أيضا السمفونية الثامنة. ومن الأغاني التي كان يعدها عبدالحليم، قبل موته، “من غير ليه”، فبقيت عملا غير كامل.

كانت “من غير ليه”، مشروعا، ربما سيشكل انعطافة في الموسيقا العربية، لو أتمه عبدالحليم بطريقته. صحيح أن عبدالوهاب وهاني شاكر، قاما بعد سنوات بأدائها، وبطريقة جميلة، ولكن لا يبدو أنهما قدما كل ما كان مقررا لهذا “المشروع”، كأنهما قدماه غير مكتمل.

كان مشروع “من غير ليه”، سيعطي الموسيقا العربية بعدا جديدا. فهي ليست أغنية طربية، تقليدية، على غرار روائع بليغ حمدي، التي تجمع الشاعرية والرقص معا. فأغاني أم كلثوم وعبدالحليم وغيرهما كانت تخاطب الروح والجسد معا، وتدخل الإنسان داخل الأغنية. أما “من غير ليه”، فكانت ستدخل الموسيقا العربية، مرحلة الكلاسيكيات، على غرار ما فعل شوبارت وبيتهوفن، وبعض أعمال عمر خيرت، حيث هي بمثابة الموسيقا التصويرية والمصاحبة للإنسان. بمعنى أنها تقدم شيئا للإنسان يساعده على التفكير بعمق، بتأن، وفلسفة. بمعنى أن الإنسان يفكر متوازيا مع الموسيقا، يكتب قصته لنفسه، يفكر بهدوء واستقلالية؛ والموسيقا تتوازى مع الشعر.

كانت سمفونية بيتهوفن التاسعة، عام 1824، آخر سيمفونية مكتملة له، وأول عمل موسيقي كلاسيكي رئيسي يدخل إليه الغناء، فكانت بداية انتقال من الموسيقا للغناء في أوروبا. أما عربيا فالمسيرة معاكسة، حيث دخل الغناء قبل الموسيقا. لو استمر نهج “من غير ليه”، لكانت ربما جزءا من المزيد من الهدوء والعمق في الروح والفكر.

ربما من السذاجة اعتبار أن أغنية أو موسيقى لها هذا الفعل، لكن المقصود أن الأغنيات، انعكاس للثقافة والسياسة.

حملت السبعينيات، والثمانينيات، تحديات للفن، والغناء، والموسيقا، والثقافة في العالم العربي. أول التحديات، رأسمالي تجاري، فمع الخصخصة، واقتصاد السوق، في عهد الرئيس المصري محمد أنور السادات، طغت الاعتبارات والسمات التجارية على الفن، فأصبح المطلوب أفلاما وأغاني وموسيقا غير مكلفة، فلا يقدم فيها التأني والمدخلات المطلوبة، من آلات وموسيقا، وجهد، وحينها ظهر ما يعرف باسم “أفلام المقاولات”. وكان ذلك جزءا من صعود الليبرالية الجديدة المتوحشة، عالميا، بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ريغان، ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر؛ أصبح كل شيء للبيع والتجارة، حتى أمن وغذاء وبنادق وحليب الناس.

والتحدي الثاني، كان الانهيار السياسي، وخفوت الحس الثوري، بما فيه من رومانسية، وذلك لأسباب منها انحسار المقاومة الفلسطينية وانشغالها في الحرب الأهلية في لبنان، ودخول مصر اتفاقيات سلام منفردة مع الإسرائيليين، تلتها مجازر صبرا وشاتيلا، كما وصلت الاشتراكية السوفياتية مرحلة الإفلاس.

والعامل الثالث، صعود فكر أصولي، فانشغل العرب بحرب العراق وإيران، وصعود الطائفية، السنية الشيعية، وظهر مجاهدون مسلمون، متحالفون مع المخابرات الأميركية والعربية، لمواجهة السوفييت في أفغانستان، وغيرها. وذلك في سياق نشر فكر اعتبر الموسيقا، والرسم، محرمات وذنبا وخطيئة (تغير هذا الان نسبيا حتى لدى الإسلاميين).

للنهضة أو التراجع معالم شاملة في أوجه الحياة. والفن والأدب، انعكاس وسبب، للتقدم أو التراجع. موسيقا “من غير ليه”، وغناؤها، ربما كانا سيكونان في سياق تغير إيجابي لم يتم.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com