2018-08-30

أَصيلة وحكواتي على الأُصول..!

بقلم: د. مصلح كناعنة

قّـلَّما عرفتُ إنسانًا عاشقًا لفنِّهِ مُخلصاً له ملتزمًا به كالأستاذ راضي شحادة، ابن قرية المغار الجليليَّة الـمُلتحم بقضايا شعبه وهموم مجتمعه حد التقمُّص. منذ عام 1970، تقلـَّب العالم به وعليه، وهبَّت أعاصير أطاحت بأمم وقلـَّبَت أنظمة ومنظومات ككُثبان الرَّمل في الصحراء، وجاء احتلالٌ ثم انتفاضة أولى وثانية وثالثة، وتشكَّلت فرقٌ وأُغلقَت مسارح، وتمَرجَحَ الفنُّ والذوق الفني في فلسطين والعالم العربي بين القمة والحضيض... والأستاذ راضي شحادة لم يبارح الفنَّ المسرحي يوماً، ولم يَخفُت عشقُه له قيد أنمُلة، بل ازداد شغفًا به وإيمانًا بسمُوِّ رسالته، فتبنّاه واعتنى به وطوَّرَه وأتقنه وسَحبَه معه إلى عُمق أعماق وَعيِهِ وأدقِّ تفاصيل حياته، حتى أنكَ أصبحتَ لا تستطيع أن تفصِلَ بين راضي الإنسان وراضي الفنّان، فالأستاذ راضي شحادة يُشعُّ الفنُّ من كل شيء فيه؛ من شكله وهندامه ونبرَة صوته ورنَّة ضحكته وأحاديثه ومُناقشاته ونُكاته وقَفشاته. 

ولقد تزاوج راضي مع الفنِّ وتزوَّجَ منه بعد أن عشق عِشقَيْهِ الأكبَرَيْن في شخصٍ واحد؛ السيِّدة الفنانة العظيمة منيرة شحادة، شريكة عُمر راضي ورفيقة دربه والنصف الأجمل والأكمل والأمثل لمشروعَيْه في الفنِّ والحياة، فأنجبا معًا قبيلة من الأعمال المسرحية والإبداعات الفنيَّة التي كان آخر العنقود فيها العرض المسرحي "أصيلة" الذي حظيتُ بمشاهدته قبل يومين في أحد المراكز الثقافية الجماهيرية في قرية الـمْغار.

منذ أن أسَّسَ الأستاذ راضي "مسرح السِّيرة" عام 1984 وهو يقوم بالتمثيل من خلال أسلوب "الحَكواتي". والحكواتي شخصية تقليدية عريقة وذات قاعدة جماهيرية واسعة في التراث الشعبي في فلسطين وسائر بلاد الشام، ويتقن راضي أداءها وكأنه لم يُخلق إلا لها. والجميل في الأمر أن راضي يَمزج بين الدور التقليدي للحكواتي كراوٍ شعبي للملاحم والحكايات، وبين التمثيل المسرحي الحديث لأشخاص الحكاية وأحداثها، فيثابر على التنقُّل السريع المستمر بين شخصية الراوي وشخصيات الحكاية التي يرويها.

عبقرية هذا الـمَزج بين الراوي وروايته، بين الحكواتي وحكايته، تكمن في مقدرته على وضع الفنان الذي يقوم بدور الحكواتي على خط الوسط تماماً بين المسرح والجمهور، وبالتالي بين الزمن المسرحي للحكاية والزمن الواقعي للجمهور الذي تروَى عليه في قاعة من قاعات إحدى قرى الجليل الفلسطيني في أواخر عام 2018. وهكذا يستطيع الراوي أن يروي الأحداث ويُمَثلها، وفي نفس الوقت أن يخرج منها ومن زمانها فيعلِّق عليها مخاطبًا جمهور المشاهدين في قاعة العرض... وهكذا يقفز "أبو زيد الهلالي" من لحظة الأسطورة إلى لحظة العرض ليقذف بتعليق عابر بسرعة الضوء عن التكنولوجيا الحديثة التي تُمَكِّنه من عرض صورة فَرَسِه الأصيلة على الشاشة أمام الجمهور.

ويروي الحكواتي عن العرس الـمُهيب لأبي زيد الهلالي فتجرُفه حماسة الوصف إلى ذكر تدفُّق الناس إلى العُرس في "الأُولامْ" (الكلمة العبرية التي يستعملها فلسطينيو الداخل لقاعة الأفراح)، ثم يستدرك قائلاً: "بَس في هذيك الأيام ما كان في أولام". ويصف الراوي كيف امتلأت طرقات المملكة بالناس والخيول والسيارات، ثم يستدرك بأنه لم تكن هناك سيارات في زمن أبي زيد الهلالي. هذه القفزات البهلوانية بين الأزمان تضفي على العرض المسرحي نكهة بديعة تَدخل إلى قلب الجمهور، وفي نفس الوقت تُمكِّن الممثل من أداء رسالة في النقد وتحريك الوعي حول ظواهر مقلقة في مجتمعنا المحلي الراهن.

وبهذا الأسلوب المبدع يستطيع الأستاذ راضي أن يُمتعنا برواية أسطورية فلكلورية مُحبَّبَة إلى النفوس ومفعمة بالتراث الشعبي الفلسطيني، وفي نفس الوقت أن يتعرَّض بالنقد لقضايا في غاية الأهمية من واقعنا الراهن: العنف الاجتماعي الـمُستشري، التحرش والاعتداءات الجنسية، التكنولوجيا الحديثة وتأثيراتها، الفوضى والضجيج، النزعة العائلية القبلية، وغيرها.

من خلال المزج الـمُحكَم والـمُتقَن بين الـمُمثل وأدواره، وبين الراوي وروايته، وبين الزمن المسرحي والزمن الفعلي، يستطيع الأستاذ راضي أن يلجأ إلى الأقنعة (masks) فيستعملها لأداء عدد كبير من الشخصيات بأسلوب هزلي مُضحك ومُمتع ومُقنِع في نفس الوقت. ولدى الأستاذ راضي مقدرة مذهلة على تمثيل عدد كبير من الشخصيات المتباينة والانتقال من شخصية إلى أخرى بمنتهى السلاسة، من خلال التبديل السريع في حركة الجسم ونبرة الحديث وفخامة الصوت. وهو يتقن الغناء الشعبي بمختلف أنواعه، من الحدادي والـمْرودحَة إلى "الأويها" والزغاريت، وهو يغني كما يغني ألف رجل وامرأة في زفة عريس.

لستُ أبالغ حين أقول أن راضي شحادة هو مسرح بأكمله في شخص واحد، فهو المؤلف، والمخرج، والراوي، والمغني، والممثل الذي إذا أردت أن تستبدله فعليك أن تستبدله بعشرات الممثلين، وزوجته السيدة الفنانة منيرة شحادة لا تقل عنه روعة في أداء كل الأدوار النسائية في الحكاية.

إنه عمل جبَّار، أكبر وأهم بكثير من أن يُعرَض لمرة واحدة في قاعة واحدة في قرية واحدة، فهو في الحقيقة يستحق أن يُعرض في أشهر مسارح الوطن من أقصاه إلى أقصاه.

عزيزي راضي؛ كم قناعًا استخدمتَ في هذا العرض المسرحي؟ خمسة... عشرة؟

نحن نتفوَّق عليك يا عزيزي. فنحن كلنا نستخدم طوال الوقت نفس العدد من الأقنعة على مسرح الحياة، حتى أننا نسينا كيف تبدو وجوهنا بلا قناع..!

* محاضر في علم الانسان وعلم الاجتماع في دائرة العلوم الاجتماعية والسُّلوكية في جامعة بير زيت، وباحث مختص في التراث الشعبي الفلسطيني. - mkanaaneh@birzeit.edu