2018-01-12

في غزَّة..!

بقلم: أكرم الصوراني

مررنا على دار العجيب فردَّنا
عن الدار قانون الأراضي وسورها
فقلتُ لنفسي رُبّما هي نَقمةٌ
فماذا تَرَى في غزة حين تزورها
تَرى كُلَّ ما لا تستطيع احتماله
إذا ما بدت من جانب الكرب كروبها
وما كلُّ نفسٍ حينَ تَلْقَى حَبِيبَها تُسَرُّ
وغزة قطعُ الكهرباء يُضِيرُها
فإن جاءت فساعتين لِقاؤُها
وليسَ بمأمونٍ عليها جَدولُ
متى تُبْصِر غزة الحريقةَ مَرَّةً
فسوفَ تُدمي العَيْن حين تزورها

في غزة بائع خضرةٍ من الشاطئ من الشيخ عجلين من الشيخ رضوان من الشيخ زعلان من زوجته يفكر في قضاء حاجةٍ أو في طلاق البيت

في غزة ورشات وغدوات وهبرات ومؤتمرات وميزانيات وتنزيلات وانكسارات وتجار باعوا نصف هدومهم

وفتيةٌ يبولون في أحيائها القهر
يبيعون المحارم والكلينكس
يطلبون منك الشيكل
وأنت جيبك يشتهي لو فِلس

في غزة شرطي
يُلوّح بيديه للسيارات ويفكر في آخر الشهر كيف يمشي
وعروسٌ الى عريسها تمشي
والناس في الجنازة تمشي
وعلى مؤخرة السيارة
ألف مبروك للعروسين
بالرفاه والبنزين
وباعة هواء وفراولة وجرابين
وباعة أحلامٍ
لم تبلغ العشرين
تلبس قبعة الشتاء
وتُمطر دموعها العذراء على حائطٍ خربَشَهُ فنان شحات طلب البخاخ من التنظيم وعشرة شواكل لا بل قل عشرين فأعطاه التنظيم بخاختين فخربش على الحائط سألتك حبيبي لوين رايحين ونسي وصية التنظيم الذي دفع العشرين لقاء لوحة على القدس رايحين شهداء بالملايين
والملايين لا ملايين
وإن شئت قل قليلين
وطبقةٌ وسطى
على البسطه
وعلى الوسطى

في غزة
سياح مترو
وكيرفور
والروتس
والموفمبيك
وأنت وحدك لا تعرف شو في
ولا شو فيك
وسياحٌ من الاسفنج
تراهم يأخذون لبعضهم سيلفي مع مسيرة تبيع الشعارات في الساحات
وفي الندوات يشترون بها على الفيس لايكات
هكذا
من دون مؤخرات
ومن دون مقدمات

في غزة
دَبّ انفجار
دَبّ الحصار
دَبّ الصوت
دَبّ الموت

في غزة دَبّ الرعب والزّفت

في غزة صَفَّينا على الاسفلت

في غزة من في غزة إلا أنت
وتلفَّت المريخ لي مبتسما
وتَفّ على وجه الأرض
وقال لي مستهزئاً
أظننت حقاً إنك انسان
لتكون مفكر حالك سوبر مان
أظننت حقاً إنك عايش
ها هم أمامك متنُ نصٍ أنت حاشية عليه وهامش
 
في غزة كل عقل سباك

في غزة ماسورة مجاري انفجرت من الدين والمرجع والشيكات

في غزة وجوه الناس اسودّت صارت شوارع
والحياة مطبات
حَكَمَ الزمان بقهرها
مازلت تلحس خلفها
مذ أثقلتك بدينها
فارفق بنفسك ساعة
إني أراك وهنت

في غزة من في غزة إلا أنت
يا كاتب التاريخ مهلاً
فالمدينة قهرها قهران
المدينة حزنها حزنان
وغزة تعرف نفسها
فاسأل هناك الخلق يدللك الجميع
فكل شيء في المدينة ذو لسان حين تسأله يبين

في غزة يزداد الشباب تقوسا مثل الجنين
حدْبا على أشباهه فوق السراب
أحلامهم شاخت عبر السنين
تدهورت
علاقة الأبِ بالبنين
علاقة المدخن بالنيكوتين

في غزة أبنية حجارتها تستر الناس والناس تفكر حرق نفسها بنزين

في غزة صبرُ الجمال مثمن الأضلاع وجعجعةٌ ولا طحين
فوقه - يا دام عزك- شخة دهنية تبدو برأيي مثل خميرة نسي الخباز وضعها على العجين فخرج من الفرن شيئا لا هُوَ خبزٌ ولا هُوَ كَعكٌ ولا هُوَ زفت الطين
ترى وجه المدينة ملخصا فيها
تجعلكها تحاول أن تأكلها تطفحها مغمسة بالذل وأنت سجين
وليلة جمعةٍ يختلط وجع المدينة بحلمها
ألم الولادة وصرخة الجنين
وترى الكيبورد يكتب وحده
جمعة مباركة
وهلا بالخميس
 
في غزة
مدرسة لتعليم الشحادة
أتاها موظفٌ سحب قرضاً فسحبته الفوائد أرضاً
وتاجرٌ سحب بضاعته شاهرا سيف افلاسه
وآخرٌ سحب جوال لا بل قل موبايل من الشركة وباعه بنصف الدين
وآخرٌ حاول جاهدا أن يعصر نفسه فعصرته المدينة مرتين
مرَّة يوم حلبته
ومرَّة يوم أطبقت أبوابها فقصت حلمته حلمتين

في غزة رائحة لا هي هيلٌ ولا يانسونٌ ولا زنجبيلٌ لكنَّ شيئاً إذا ركَّزت
والله رائحة لها لغة ستفهمها إذا البحر سكنت
تفوح من بعد انحسار المغص وهي تقول لي : "أرأيت"
وتقول لي إذا هبت أشممت

في غزة مفتاح التناقض والعجائب ليس ينكرها العباد
كما لو كانوا يُضربون في الخلاط
والناس معجنات هناك تلمس باليدين

في غزة لو صافحت شيخا
أو لمست بناية
لوجدت منقوشا على كفيك
نص قصيدة أنت مطلعها

في غزة من في غزة إلا أنت

في غزة تنتظم القبور كأنهن سطور
الكل ماتوا ها هنا
فغزة تقبل من أتاها كافرا أو مؤمنا
أمرر بها واقرأ شواهدها بكل لغات أهل الأرض
فيها الزفت والازفنت والطفران والغلبان والتعبان والسرطان والملاك والأجراء والتجار والفجار والفقراء والكفاح والنضال والشغال والبطال والكزاب والشحات والنصاب
فيها كل من أكل الخرى
أرأيتها ضاقت علينا وحدنا
يا كاتب التاريخ ماذا جدَّ فاستهلستنا
غزة صارت خلفنا
غزة صارت حتفنا
غزة صارت قبرنا
فلا تبكِ عينك أيها الغَزِّي وأعلم أنَّهُ
في غزة من في غزة لكن
لا يرى في غزة إلا أنت

* كاتب وباحث يقيم في قطاع غزة. - akram.alsourani@gmail.com