2017-12-26

صلاح عيسى.. وداعاً

بقلم: شاكر فريد حسن

غيب الموت الكاتب والمفكر والمناضل اليساري المصري الكبير صلاح عيسى، متأثراً بمرض السدة الرئوية، وبعد أن دخل في غيبوبة وبقي على أجهزة التنفس الصناعي الى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، تاركاً وراءه ثروة فكرية كبيرة، وسيرة حياة حافلة وزاخرة بالنشاط والعطاء والنضال.

يعتبر عيسى من أبرز أعلام الفكر والثقافة المصرية، وقد شارك في انشاء وتأسيس وادارة عدد من الصحف والمجلات المصرية، أبرزها: "الكتاب، الثقافة الوطنية، الأهالي، واليسار"، كما ترأس تحرير صحيفة "القاهرة"، وتولى منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة في مصر.

تعرض عيسى للمحاكمات والاعتقالات مرات كثيرة، بسبب آرائه السياسية والفكرية العقائدية، واعتقل لأول مرة العام ١٩٦٦.

صدر له في مجال الفكر السياسي: "الثورة العرابية، حكايات من دفتر الوطن، رجال ريا وسكينة، دستور في صندوق القمامة، تباريح جريح، مثقفون وعسكر، محاكمة فؤاد سراج الدين، البرجوازية المصرية وأسلوب المفاوضة".

وفي مجال القصة والرواية صدر له: "جنرالات بلا جنود، ومجموعة شهادات ووثائق في تاريخنا وزماننا"، وله ايضاً كتاب "شخصيات لها العجب".

لقد شاءت الأقدار وتعرفت الى الكاتب الكبير الراحل صلاح عيسى عن طريق المصادفة، وكما يقال "رب صدفة خير من ألف ميعاد"، وذلك عندما كنت في زيارة للقاهرة في ثمانينيات القرن الماضي، دخلت مكتبة المرحوم العم مدبولي، واذا بالراحل صلاح عيسى يتجول بين اروقة ورفوف المكتبة، فالقيت عليه التحية والسلام، وسالته: هل أنت الكاتب صلاح عيسى؟ فابتسم وقال: نعم، وعرفته على نفسي، وكم سره انني من فلسطين، وبعد ان تحدثنا وتجولنا معاً بين اجنحة الكتب، افترقنا وذهب كل منا في طريقه، وتواعدنا على أمل اللقاء، ولكن للاسف لم يجمعني به القدر مرة أخرى.

كان صلاح عيسى شخصية معروفة، وهو مثقف ومفكر وكاتب صاحب مواقف وطنية ويسارية، وناشط سياسي في صفوف حزب التجمع الوطني الوحدوي المصري، وعرف بسخصيته الهادئة والمتمردة في آن، وظل طوال حياته متمسكاً بمواقفه النصالية والتقدمية، يذود عنها، وينافح من أجل انتصارها.

وقد حذر من الكارثة التي تهددنا، وهي ظاهرة التطرف الديني الاصولي، وتنامي فكر التكفير الظلامي. وفي كتابه الموسوم "الكارثة التي تهددنا" الذي لم يكن يطمح الا أن يكون ورقة حوار، يشتبك الصراع ويشتد حول الماضي والحاضر والمستقبل، وتتزاحم علامات السؤال والاستفهام: لماذا بقي الوطن العربي قرية في تركيبه السكاني وقيمه الاجتماعية؟ وكيف تصارعت أجنحة البرجوازية وحلفائها على طريق القبلية التي تفتقد لابسط أسس الديمقراطية؟ وكيف بدأت حركة التنوير الاصلاحية برحابة جمال الدين الأفغاني، وانتهت بالفكر المتشدد المتعصب ممثلاً بسيد قطب وشكري مصطفى..؟!

صلاح عيسى من رموز ومنظري التيار اليساري المصري المدافعين عن حرية الرأي، والنقابيين المخلصين لرسالة وتقاليد المهنة، وقد تناول في كتبه ومقالاته قضايا سياسية واجتماعية عديدة، وتميز باسلوب ممتع ورشيق وجذاب، ويبقى كتابه "شخصيات لها العجب" سمفونية عزفها مثل المايسترو عن شخصيات أدت دوراً بارزاً في الحياة السياسية والصحفية في القرنين العشرين والواحد والعشرين، بينهم الصحفي والكاتب المصري الالمعي محمد حسنين هيكل.

رحم الله صلاح عيسى، وستبقى أفكاره المتنورة ومواقفه الوطنية والسياسية النوعية الجذرية، نوراً ساطعاً للأجيال المصرية والعربية القادمة.

* -- - shaker.fh@hotmail.com