2017-12-05

لماذا ميماس؟
"خوف الطغاة من الغنيات"..!

بقلم: د. حيدر عيد

"الفنّ يواسي مَنْ كسرتهَم الحياة." - فان جوخ

لأننا من المتابعين للصور النمطية التي تحاول اسرائيل ترويجها عن الفلسطينيين، وبالذات اهل غزة، وتصويرهم على أنهم "إرهابيون"، "قتلة"، "ملتحون"، "يرسلون أطفالهم للموت"، "يكرهون الحياة"، "سوداويون"، "أصوليون"، "يحاربون الفنون" ..الخ، لذلك ميماس.
 
وكانت وزارة الخارجية الإسرائيلية قد قررت ضخ الملايين من الشواكل دعماً لحملة "الهاسبراة" -البروباجندا- التي تهدف لتسويق صورة اسرائيل على أنها نقيض لكل الصور النمطية السابقة التي تروجها عن الفلسطينيين. فهي دولة "حضارية"، "ديمقراطية"، "تقدمية"، "حداثية"، ترعى الفنون بكل أشكالها.. ولكي تسوق هذه الصور التي تهدف لإخفاء جرائمها المتعددة من احتلال واستعمار وأبارتهيد، فإنها قد وظفت فنانيها في هذه الحملة حيث تقوم بإرسالهم، مع مثقفيها وأكاديمييها، في جولات عالمية لتغيير الصورة القبيحة التي خلقتها حروبها المتواصلة وحصارها لغزة وسياساتها العنصرية..!

هي لا تتوانى للحظة واحدة عن استغلال كل طاقاتها، وبالذات الفنية، للترويج لنفسها، وفي نفس الوقت تلطيخ صورة الفلسطيني.
وهنا تبرز أهمية ميماس..!

فهي تؤمن أنها جزء من النضال الموسيقي في مواجهة حملة الهاسبراة لأنها تستطيع "مواجهتهم بالأغنيات"..!

مجموعة من الشباب الفلسطيني اللاجئ، من غزة المحاصرة، يعشقون الحياة، يعانون من نظام الاضطهاد المركب الذي تمارسه إسرائيل ضد أبنا الشعب الفلسطيني بمكوناته الثلاث، يأملون بأن يصبحوا صواريخ مضادة لحملة الهاسبراة التدميرية التي يتوفر لها الدعم الكامل من الرجل الأبيض في الغرب. فمغنيي/ات اسرائيل يشاركون في مسابقة الأغنية الأوروبية السنوية (اليوروفجن)، وتُفتح لهم قاعات لندن ونيويورك في نفس الوقت الذي يُستهدف فيه فنانو وفنانات غزة بالصواريخ التي تطلقها طائرات الأباتشي والـ"اف16"..! فنانون/اتهم يروجون للدمار والحرب بمسميات مختلفة وتحت غطاء "السلام" الزائف، وفنانونا يغنون للحرية، للسلام الحقيقي، للحب، للإنسانية.

ولأن أعضاء الفرقة كلهم مقيمون في غزة المحاصرة حيث لا يسمح لهم بحرية الحركة خارج القطاع، وحيث يوجد أزمة ثقافة حقيقية انعكست نتائجها واضحة في ضعف الإنتاج الفني، فقد قررت الفرقة تحدي ذلك من خلال القيام ببعض الحفلات عبر الإنترنت وبالتنسيق مع لجان تضامن وفرق أجنبية حيث قامت بأداء واحدة مع جمهور من فرنسا، وتقوم التحضير لحفلة أخرى مشتركة مع فرقة "المافركس" الجنوب الأفريقية بحضور جمهور فلسطيني وآخر جنوب أفريقي، تحمل عنوان "من حنوب أفريقيا لفلسطين: لا بديل عن الحرية". ويتم التفاوض الآن مع احتفالية فلسطين للأدب، فرع إيرلندا، للقيام بحفل بمناسبة مرور 70 عاما على النكبة الفلسطينية. وهذا ما يجسده مقولة أحد مغني الفرقة عن علاقة الفن بالسياسة: "اللجوء للفن ليس هروباً من السياسة بقدر ما هو ولوج في فضاءات تعجز السياسة عن دخولها"..!

وفي مسار آخر، ولكن في نفس سياق المشروع الفني، تعمل الفرقة على تجميع مواد فنية للبدء بتسجيل أول ألبوم لها يحمل اسم المشروع، خوف الطغاة من الأغنيات، يحتوي على أعمال فنية برزت في القرن المنصرم في إطار المشروع الفني المقاوم في العالم العربي بشكل عام، وفلسطين بشكل خاص.

كيف تكون لبنان بدون فيروز؟ مصر بدون أم كلثوم؟ السودان بدون محمد وردي؟ جنوب أفريقيا بدون ميريام مكيبا؟ تشيلي بدون فيكتور جارا؟ السنغال بدون يوسو ندور؟ بنين بدون أنجليك كيدجو؟ كوبا بدون بابلو ميلانس؟ تركيا بدون أحمد كايا؟

هؤلاء، وغيرهم من فنانين، هم روح بلادهم.. هم الجمال الذي تتفتخر به أوطانهم.. هم البصمة الوطنية التي تُعرف أوطانهم من خلالها..!

وفلسطين بفنانيها وفناناتها، لها مذاق آخر، مذاق الحرية الموعودة والعدالة والمساواة.

ومن هنا، وتيمناً بمقولة الراحل الكبير إدوارد سعيد، تبرز فكرة "ميماس" كمشروع يعمل على "مواجهة ثقافة القوة بقوة الثقافة". فلا غرابة إذن من اختيارها ما قاله شاعرنا الخالد محمود درويش عن "خوف الطغاة من الأغنيات" كعنوان لمشروعها الفني.

* أكاديمي فلسطيني من قطاع غزة، محلل سياسي مستفل وناشط في حملة المقاطعة. - haidareid@yahoo.com