2017-11-10

فيلم "ميلاد مر"؛ أو "يلعن أبو إسرائيل"..!

بقلم: ناجح شاهين

متأسف جداً. ليس من اللائق أن أشرع في ذكر ما يصلح في الفن وما لا يصلح. لا يجوز أن أستدعي أرسطو وأنفض عنه غبار الألفيات والقرون. لكن ما العمل إذا كان بنو جلدتي يصرون على الهتاف والصراخ في المناسبات كلها. من أيام "تجوع يا سمك البحر" في إذاعة صوت العرب، ونحن نصرخ دون أن ندري المغزى من ذاك الصراخ.

إذن الهتاف والشتائم تحل محل التفكير أو النقد أو الجمال أو الوصف أو الاستنتاج أو التجريب ..الخ كأننا تخلينا عن أنشطة الإنسان المختلفة، واحتفظنا منها بما يناسب "الطوش" في الحارات أو بين العشائر.

فيلم "ميلاد مر" للأسف الشديد المنتج هذا العام بجهد فلسطيني/أردني مشترك لا يخرج عن قاعدة الشتم الساذج الذي قد يصب في خانة الإسرائيلي المشتوم الذي يستفيد من تعاطف المشاهدين معه بسبب الشتم غير المسوغ والمبالغ فيه في سياق الفيلم. دعونا نستعرض "عشوائياً" بعض ملامح هذا الإنتاج الجديد الذي عرض ليلة أمس للمرة الأولى.

ليس هناك حبكة أو قصة أو عقدة. هناك مشاهد متجاورة منفصلة لا علاقة لواحدها بالآخر. يجمعها على نحو اعتباطي أنها جميعاً تشتم الاحتلال وتلعن أباه وأمه. ويميز هذه المشاهد أنها غير واقعية على الرغم من "وقائعيتها" الشديدة. يمكن أيضاً للمرء أن يقع بسهولة تحت الانطباع بأن الفيلم أعد من أجل مشاهد أجنبي وليس فلسطينياً أو عربياً. هنا تزداد المصيبة وتكبر لأن تصوير الآخر "الإسرائيلي" يخلو من أية نكهة "إنسانية" واقعية. وسنفصل في ذلك بعد قليل.

التفاصيل في الوقائع واللغة والحوار تثير الابتسامة الساخرة أكثر من التعاطف. أحياناً لم أتمكن من التعاطف مع "أم زهدي" أم الشهيد بسبب بؤس الاستعراض الفج المباشر. أما مشهد إغلاق الجيش للمسجد فيفيض بالافتعال الذي يقشعر له البدن. يخبرنا أحدهم بسذاجة: "الجيش الإسرائيلي سكروا الجامع." الجيش الاسرائيلي؟ جد؟ مش جيش مدغشقر؟ بالطبع نعرف جميعاً أنه لا يمكن لأي منا أن يقول "الجيش الإسرائيلي". نحن نقول: "اليهود، الجيش، المستعربين، القوات الخاصة، المشمار كفول، حرس الحدود، تبعون الطواقي الحمر ..الخ" أما الجيش الإسرائيلي فهذه صيغة إذاعة المملكة الأردنية الهامشية أو إذاعة فلسطين. ربما من هنا جاء الالتباس.

بالطبع هناك طرافة مذهلة في التعليقات. أم زهدي علقت على تسكير الجامع بالقول: "هذول ما عندهم دين." لا تملك إلا أن تبتسم.

ويطم الوادي على القرى إقحام رجل مسيحي نزل من المريخ يعرف الضابط الإسرائيلي (كيف؟ لا نعرف) أنه مسيحي. ويقول له بشكل فج: "انت مسيخي شو دخلك؟" بالطبع نتلقى خطبة موجهة على نحو ساذج: "أنا عربي فلسطيني، وزي ما بدافع عن الكنيسة، بدافع عن المسجد ..الخ". "وأنا مسيحي ورايح أصلي مع المسلمين ..الخ".

إذا كان هذا الفيلم تعليمياً وموجهاً للأطفال "ماشي الحال"، أما إذا كان غير ذلك فنرجو عدم الإفراط في السذاجة: نعرف جميعاً أن حزب الله العظيم أصبح "حزب اللات" بسبب حزيرة سني/شيعي. ومهما هتف المخرج والمنتج بوحدة المسلمين والمسيحيين فهذه قصة تحتاج إلى ما هو أكثر من الهتاف، ومن إقحام مشاهد لا علاقة لها بحبكة الفيلم، إن كان له ما يشبه الحبكة أصلاً.

بالطبع تأتي المحاولة البائسة جداً لشيطنة العدو على نحو لا  علاقة له بالإمكان الواقعي لتظهر الفشل الكامل للفيلم في التقاط البشر الحقيقيين وطبيعة صراعاتهم. في خضم السذاجة والإسفاف في رسم الاسرائيلي وحشاً على نحو يتفوق على قدرة البشر على التوحش يعود الفيلم إلى مستوى أحمد سعيد وسمك البحر.

قمة هذا الفشل –أو قاعه- عندما يأتي ضابط إسرائيلي متوحش ملامحه تنتسب لأكلة لحوم البشر بإمساك راهبة في الكنيسة من رقبتها وخنقها بيده ووجهه مبتسم تماماً ومبتهج، وهي توجه دعاءها لإلهنا الذي في السماء.

أنا أيضاً توجهت بالدعاء أن لا يتم عرض هذا الفيلم في أي مكان، خاصة في بلاد "الاخرين" لأنه فضيحة تسيء لفلسطين وقضيتها. ونتمنى أن يتمكن "الفنان" في بلادنا العربية من تقديم فن حقيقي يعالج القضايا بعيداً عن الخطابة والشتائم. الفن كشف عميق جميل وساحر ومبدع وليس طوشة ساذجة في الحارة. بالطبع لا تعدم البلاد العربية نقاداً وفنانين كان يمكن أن يضيئوا مساحات كثيرة لصانعي الفيلم الذي لا يبدو أنه قد تلقى مراجعة نقدية كافية قبل إقراره.

* الكاتب أكاديمي فلسطيني. - najehshahin@yahoo.com