2017-10-30

مع دراسة الباحث الفلسطيني سعيد مضيه "رواد التنوير في فلسطين"

بقلم: شاكر فريد حسن

"رواد التنوير في فلسطين" هو عنوان دراسة للكاتب والباحث الفلسطيني سعيد مضيه من اصدارات دار الثقافة الفلسطينية العام ٢٠١٦، وكانت صدرت بطبعتها الاولى عام ٢٠٠٨ عن مؤسسة الانتشار العربي، وهي صورة بانورامية للمقاومة الثقافية والفكرية والتربوية والدينية في فلسطين التاريخية، وتتحدث عن تسعة منورين فلسطينيين ساهموا في بلورة وتطوير الثقافة التنويرية على مشارف القرن العشرين، وارساء ثقافة وطنية مقاومة مناهضة للاستيطان والانتداب والاحتلال الصهيوني.

يعد الأستاذ سعيد مضيه صاحب الكتاب، أحد أهم الاصوات الثقافية والفكرية والاجتماعية التنويرية البارزة والمهمة في ميدان التورخة والعمل الثقافي والميداني الفلسطيني . فهو كاتب وباحث ومفكر مبدع ومؤرخ قدير، من مواليد بلدة حلحول قضاء الخليل العام ١٩٣٤، عمل في التدريس، وفصل من وظيفته، ولوحق من قبل النظام الاردني ثم من سلطات الاحتلال الاسرائيلي، وسجن مرتين في المعتقلات الاسرائيلية، وفي العام ١٩٧٨أبعد عن الوطن وعاد اليه في ١٩٩٤.

انضم مضيه  للحزب الشيوعي الاردني وشارك في نضالاته الاجتماعية والسياسية والطبقية، وعمل في رابطة الكتاب الاردنيين كأمين سر ونائباً للرئيس، وهو حتى الآن قابض ومتمسك بفكره الايديولوجي والعقيدة الشيوعية، ومنخرط في الفعاليات والنشاطات الكفاحية ضد الاحتلال.

صدر له عدداً من المنجزات والكتب البحثية، وهي: "الثقافة الفلسطينية والممارسات الصهيونية، الاجتماعي والبيولوجي في الابداع الفني، ثقافتنا ومهمات المرحلة، الثقافة العربية في فلسطين، جدل الثقافة الديمقراطية، رمال في العيون".

وله عشرات المقالات والدراسات والمداخلات السياسية والفكرية والتاريخية المنشورة في المواقع الالكترونية المختلفة.

يقع كتاب "رواد التنوير في فلسطين" لسعيد مضيه  في ٢٩٣صفحة من الحجم المتوسط، ويهديه الى "مدينة القدس، مدينة النور والتنور، وستعود قريباً مدينة السلام". ويستهله بالتأكيد على أن "ثقافة التنوير الحديثة ولدت في حضن المقاومة، وبداخلها تعمدت وصلب عودها"، ويجيب عن السؤال: ما هو التنوير بقوله: "التنوير حركة روحية ميزت مرحلة من النهوض العربي، استهلت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتواصلت حتى الحرب العالمية الاولى، أو بعد ذلك بسنوات، حين اخضعت الأقطار العربية لحكم الانتدابات بعد صدور وعد بلفور وافتضاح مؤامرة سايكس بيكو ، فإدرك المثقفون المنورون ومن تابعوهم واقع الكولونيالية الامبريالية، وانتقلت برسالة التنوير الى ترشيد حركة نهوض شعبي للتحرر القومي".

ويوضح مضيه أن المنورين اعتمدوا على نشر وبث رسالتهم التنويرية بالحث على  انشاء المدارس واصدار الصحف والمجلات والمطبوعات والكتب الأدبية والثقافية والفكرية والاهتمام بالفنون الأدبية بمختلف الوانها وأجناسها.

ويتطرق سعيد مضية في كتابه الى الثقافة الوطنية الفلسطينية، ويشير الى كيف اتخذت الكنيسة الارثوذكسية موقفاً معادياً من المثقفين الارثوذكس، ويتوقف ايضاً عند بدايات ظهور ونشوء الحركة المسرحية في فلسطين.

ويفرد مضيه صفحات طويلة من كتابه ليقدم نبذاً عن سير الرواد التنويريين الفلسطينيين التسعة، الذين ساهموا وسعوا الى تطوير وتأصيل الفكر التنويري في ربوع فلسطين، فيتناول باسهاب حياتهم وأعمالهم ومؤلفاتهم ونشاطهم الثقافي المميز، ويتحدث بداية عن الباحث والناقد محمد روحي الخالدي، صاحب العديد من المؤلفات في مجالات التاريخ والعلوم والآداب، ثم بندلي الجوزي الذي كان اهتمامه منصباً على على التاريخ والعلوم والآداب والأبحاث، واشتهر بكتابه "تاريخ الحركات الفكرية في الاسلام"، ويعرج على المفكر والمربي الفذ خليل السكاكيني، الذي عشنا معه لحظات مع أرفع آيات الحزن على زوجته "سلطانة" وحزنه بفقد ابنه "سري"، والأديب البارع الذي ربط الأدب بالحياة، واهتم بدور المثقف في الحركة الوطنية، ودمج الكنيسة بالقضية الوطنية.

ثم يغوص في عالم نجيب نصار، صاحب صحيفة "الكرمل" التي ظلت طوال صدورها لسان حال الجماهير العربية والمعبر عن طموحاتها، ويلج دنيا خليل بيدس، احد اعلام السرد القصصي، وصاحب أول رواية فلسطينية هي "الوارث"، ومؤسس مجلة "النفائس العصرية" التي احتضنت الاقلام الجادة وكتابات المبدعين والمثقفين الفلسطينيين والعرب، ثم يتناول نجيب عازوري الذي لفت الانظار بوعيه المبكر، ودمج القضية القلسطينية بالقضايا العربية، وألف في هذا المضمار كتاب "يقظة الأمة العربية"، ويأتي بعد ذلك الى حياة الباحث التراثي توفيق كنعان، رائد البحث الفولكلوري الفلسطيني مبرزاً القيمة الوطنية لابحاثه في التراث، ويركز على مكانة محمد اسعاف النشاشيبي الأدبية والثقافية، الذي درج منذ صغره على حضور حلقات العلم والفكر التي كان والده يستضيفها في بيته، وكان يحضرها ويشترك فيها كبار العلماء، وتشهد مؤلفاته على أنه كان ذا ثقافة لغوية وأدبية وفلسفية وتاريخية عميقة، ولم يكن يفلت من بين يديه كناب في العربية الا وقرأه وحفظ منه وروى عنه، ولعل كتابه "نقل الأديب" شاهداً على عمق ثقافته وتبحره الواسع في حنايا كتب التراث الخصبة.

وفي النهاية يستعرض مسيرة الاديبة كلثوم عودة الحياتية والثقافية التي حفلت بالنشاط الثقافي، والتي تركت وراءها أعمالاً متنوعة في شكلها ومضمونها.

ان دراسة سعيد مضيه "رواد التنوير في فلسطين" تمثل انجازاً ومشروعاً بحثياً رصيناً ومهماً، ويشكل بادرة ايجابية لدراسة الحركة الثقافية والفكرية الفلسطينية، وهو يحصر بحثه في الفترة الممتدة من القرن التاسع عشر حتى مشارف القرن العشرين، ويعتمد خ نهج السيرة الثقافية والفكرية لأهم الاعلام والشخصيات الثقافية التنويرية الفلسطينية لكل واحد منها على حدة، وهي نماذج دالة على المقاومة الفكرية والعلمية والروحية لهؤلاء الرواد المثقفين الذين خاضوا التجارب الأدبية والثقافية وحققوا حضوراً وهاجاً في الثقافة التنورية المضيئة، واسهموا في رفد الفكر الفلسطيني بكتاباتهم في شتى أنواع الكتابة، وشاركوا في نشر وترسيخ ثقافة النور والضياء العقلانية.

وفي النهاية، كتاب "رواد التنوير في فلسطين" غني بالمعلومات، ودراسة معمقة تستحق القراءة الواعية، فتحية للمؤلف الراقي الاستاذ الباحث الفلسطيني القدير سعيد مضيه، مع التمنيات له المزيد من الصحة والعافية والعمر المديد ليظل يثري مكتبتنا الفلسطينية باصداراته الجادة ودراساته الهادفة وابحاثه المفيدة، ودمت  معطاء ومتميزاً.

* -- - shaker.fh@hotmail.com