الصهيونية تتابعني في وجداني وحياتي منذ الصغر فهي تخنقني في كل المجالات والمساحات والأماكن والأزمنة، قوة هلامية اخطبوطية جبارة فرضت قيودا على يداي وأجنحتي وساقي وعلى عقلي وفكري ووجداني ونظري بعد ان جردتني من كل شيء ملموس في هذه الدنيا، من الدار والأرض والحقل والعائلة والعشيرة وأهم من كل ذلك من البحر ومداه الشاسع حيث افقدتني القدرة على التأمل عبره وغسل همومي في مياهه.
تسللت الصهيونية في أوجه واذهان وممارسات وافكار البشر في كل مكان، تسللت حتى اتخذت اشكال متعددة مختلفة ومغلفة في اقنعة من كل الانواع، أفقدني القدرة على التمييز ما بين الألوان.
الصهيونية هي هذا "الآخر" القاتل الذي اخترق جسدي مثل قنبلة عنقودية أو سم حتى فتت كل الخلايا لكي تدور في حلقات مفرغة تتخبط وتتسارع بين بعضها لتصيبني بآلام تتركني منهكة فاقدة التوازن، فهي الكارثة واللغز المعقد وسلاح المارد المسلط علي رقبتي.
بحثت منذ زمن بعيد عن طرق واساليب وسبل للقضاء على هذا المارد ومحاربته حتى أتمكن من الانتصار.
تعرضت في كل مفترق وفي كل محاولة لأيادي خفية تمنعني من المصارعة، تشدني الى الخلف، تضع ستارا امامي لأفقد السيطرة وأفشل في المبارزة، فتسخر مني الصهيونية وتضحك وتقهقه وتصيح "ايتها الحمقاء الم تفهمي حتى الآن من "أنت" ومن "هم" ومن"أنا؟".
اتقوقع على نفسي الضئيلة واغرق في مستنقع ازلي لأبحث عن نفسي، من "أنا"؟
إنني مقيدة فلا انام ولا اتحرك ثم أرتعش وأرى عبر الضباب المحيط انني لست إلا قطرة صغيرة في بحر كبير، وحبة رمل في صحراء ممتدة، ونبرة خافتة من صدى الرياح العاصفة وروح من بين الارواح المتشردة التي همشت وعزلت ثم تبخرت وتاهت في عالم النسيان.
فجأة اسمع صدى اصوات وهتافات بالانتصار.. هناك من يهتف "لقد انتصرنا"..!
فاغلق عيوني مرة اخرى واسمع نبضات قلبي تتسارع.. انني منهكة ولكني لا زلت على قيد هذه الحياة ولا زالت الدماء تتدفق في شرايني.
يأتيني صوت آخر من بعيد "يجب ان تفهمي.. يجب ان تفكفكي القيود.. يجب ان تزيلي الستار، ان تخلعي الشوكة المزروعة في جسدك.. "يجب الذي يجب".. ان تعودي الى البحر لكي تتوحد قطرة الماء مع المياه الجارفة والامواج الغاضبة، يجب ان تتوجهي نحو الصحراء لكي تتوحد حبة الرمل مع العواصف، وتندمج النبرة الخافتة مع الرياح، يجب ان تضمدي جروحك وتفردي اجنحتك وتنطلقي وتتحولي الى طير من طيور البحر لكي تفهمي من "هم" هؤلاء الذين يصرخون انهم انتصروا بينما "أنت" قد فشلت وتبخرت؟!
حب المعرفة؟ البحث عن الحقيقة؟ الفضول الذي قد يقتل؟ طاقة جبارة تدفعني.. ربما الصحوة الأخيرة قبل الزوال..!!
من "أنا" الراسبة في امتحانات الزمن واختبارات التاريخ ومن "هم" الذين انتصروا؟
بقفزة جبارة أطير وانظر من بعيد واتعمق بالمشهد.. وأرى اقنعة عجيبة وأيادي طويلة ليست غريبة، ربما صادفتني يوما؟ وأسمع صوت الصهيونية تسخر مني مرة اخرى: "هل فهمت الآن ايتها الحمقاء من "أنت" وشيئا عن معنى هذا الانتصار؟!".